تحاليلليبيا

ليبيا : هل سيتخلى المصريون عن حفتر بمرحلية وآليات ناعمة؟

علي اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد
  • إذا ما كتب يوما أن تُكشف خيوط العلاقات المصرية الليبية خلال العقود الخمس الماضية بتمامها وكمالها ودون قيود، فان الثابت أن الصدمات لدى الراي العام في البلدين لا يُمكن أن تُحصى أو تُعد وخاصة في مربعات العلاقات الثنائية بين البلدين وتماس ذلك بكواليس الصراع العربي الصهيوني شديدة السرية وأيضا في ارتباط وثيق باختراق الكيان اللقيط للقارة الافريقية وبالقذارات التي مورست في أنحاء العالم العربي ببصمات نظام العقيد وحلفائه في الأجهزة المصرية طوال العقود الماضية ولعل اختطاف المعارض والحقوقي “منصور الكيخيا” بداية تسعينات القرن الماضي مثال مُعبر ودال، والثابت أن دعم المصريين اليوم ومنذ 2014 للجنرال المتقاعد خليفة حفتر هو أحد ترتبات تلك العلاقة القديمة والمبهمة وخفية الزوايا، ومعلوم أن امتدادات الملف الليبي ماضيا وراهنا تُلقي بظلالها على كل المنطقة بل أن تلك الامتدادات تصل إلى عمق القارة السمراء وأساسا بتأثير وتأثر في أوضاع دول الساحل والصحراء…

 

  • في ظل المتغيرات الحالية والدراماتيكية وفي ظل الترتيبات المتسارعة للجولة الأولى من مؤتمر “برلين” بالتوازي مع التطورات الميدانية في المناطق الثلاث وأيضا مسارات الاستحقاقات الانتخابية في كل من تونس والجزائر، يصبح التساؤل موضوعيا على غرار هل يمكن القول أن المصريين قد بدوا مستعدين فعليا للتخلي عن حليفهم الرئيسي لأسباب عدة منها عجزه عن تحقيق الحد الأدنى وفي ظل وضعه الصحي والعسكري والاجتماعي في شرق البلاد فما بالك بغرب البلاد وجنوبها رغم ما هُيأ له من أموال وعتاد وديبلوماسية ولوجستيك ومرتزقة ورغم دعم سخي اماراتي وسعودي وروسي وحتى سوري واسرائيلي؟
** حفتر والمصريين والترابط المنهجي والموضوعي (2014-2019) 

 

  • عمليا اضطلع المصريون منذ 2014 بدورٍ نافذ ومُؤثر في الأحداث والتطورات، فقد تم مساندة حفتر منذ حاول القيام بانقلابٍ في طرابلس في فبراير/شباط 2014، ورغم رفض كل الأطراف الليبية له وتصديهم للعملية البيضاء (الانقلاب المعلن عبر بيان تلفزيوني هزيل)، إلا أنه وبحلول النصف الأول من عام 2014، كان المسؤولون في القاهرة قد توصلوا إلى استنتاجٍ بأنَّ شرقي ليبيا قد أصبح مرمى سهل لنفوذهم المترامي ولما حلموا به طوال سنوات وعقود، وتم اسباغ كل ذلك بأن العسكري المتقاعد قد أرتدى البدلة من جديد ليحارب المجموعات الإرهابية، وأصبحت روايتهم السياسية في اعلامهم ومنابرهم وفي المنتظم الدولي، أن الرجل حصن في وجه التطرُّف…

 

  • يُعَد الدعم السياسي القوي من طرف المصريين لحفتر وفي اسناده إعلاميا وديبلوماسيا، عاملا رئيسيا شجعه في مايو/أيار 2014، في إطلاق ما أسماه بـــ«عملية الكرامة»، حيث كانت مصر أول دولة تدعمه بصورة كاملة، لكن لم يُكن لدى المصريين أي نية لإنفاق مواردهم المحدودة على تمويل الحملة، لذا سعوا للحصول على داعمين إضافيين، وأول أولئك الداعمين كانت دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعد شهرين إلى ثلاثة أشهر من بدء عملية الكرامة، كانت الإمارات قد أصبحت بالفعل المُموِّل الرئيسي لقوات حفتر وحلفائه المحليين…

 

  • بحلول أغسطس/آب 2014، كان المصريون والإماراتيونيتدخلونمباشرةً في ليبيا، بل أن القاهرة كانت جد سعيدة بالسماح للدول الداعمة لحفتر باستخدام غربي مصر كنقطة انطلاق، خصوصاً في ظل تحمُّل “أبوظبي” معظم فاتورة أسلحة ما أطلق عليه تسمية “الجيش الوطني الليبي”…

 

  • في فبراير/شباط 2015، أقنعت مصر روسيا عملياً بأنَّ حفتر يستحق الحصول على فرصة، وبأنَّ الكرملين عليه أن يفكر جدياً في المنافع المتأتية من دعم القائد الشرقي. وفي سنة 2017 صعَّدت فرنسا مستوى دعمها لحفتر، وهو ما عُزي إلى حدٍ كبير إلى الجهود المصرية/الإمارتية لإقناع باريس بأنَّ دعم جيش حفتر هو السبيل الأكثر حكمة لمعالجة الحرب الأهلية الليبية والتهديد الذي شكَّلته على الأمن الأوروبي.، مع ذلك، وعلى الرغم من أنَّ القاهرة جلبت العديد من الأطراف الفاعلة النافذة للاصطفاف خلف حفتر، فإنَّ المسؤولين المصريين لم يكونوا غافلين عن نقاط قوة وضعف جيش حفتر، إذ تعتقد القاهرة أنَّ حفتر من الناحية الواقعية ليس في موضعٍ يسمح له بتحقيق انتصارٍ عسكري على حكومة الوفاق الوطني والفصائل المتحالفة معها…

 

  • الثابت اليوم أن المسؤولون المصريون ينظرون إلى جيش حفتر باعتباره مظلة جامعة غير منضبطة تضم تحتها العديد من الفصائل، مثل قوى السلفيين المتشددة وجزء مهم من أنصار النظام السابق والمقيمة عائلاتهم في القاهرة وبعض المدن المصرية إضافة الى أبناء قبائل الشرق ومرتزقة تدفع لهم دول خليجية مرتبات ومكافآت ولوجستيك وصولهم للأراضي الليبية…

 

  • رغم أن القيادات المصرية كانت تُفضِّل سيطرة قوات حفتر على كامل ليبيا، إلا أنَها بدأت بحلول أواخر عام 2018 بدأت تدفع حفتر باتجاه إيجاد تسوية سياسية للحرب الأهلية الليبية، وفي الوقت نفسه، كان المسؤولون في أبوظبي والرياض يشجعون حفتر على شن حملة شاملة لانتزاع السيطرة على طرابلس ومصراتة ومناطق أخرى من ليبيا لم تكن تحت سيطرته…
2-هل يمكن للمصريين أن يتخلوا عن حفتر ولماذا؟

 

تختلف الرؤى في قراءة موقف المصريين لموقع حفتر المستقبلي، ورغم أن نظام السياسي ميال عكس الاماراتيين الى تبني دور عسكري فقط للرجل في مستقبل العملية السياسية في ليبيا، وتوجد فعليا مقاربتين في ذلك أي في تفاصيل الرؤية المصرية وتجسدها الفعلي اثناء مؤتمر برلين بجولتيه أو في أي مقاربات وحلول مستقبلية…

  • المقاربة الأولى: مواصلة دعم حفتر بنفس الآليات

 

  • إنَّ صعود حفتر للسلطة يشبه صعود الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” وهما يتشاطران أهدافاً سياسية مشتركة وإيماناً بضرورة وجود جيشٍ قوي لغرض تحقيق تلك الأهداف. وقد اتخذ الرجلان موقفاً متشدداً من الإسلام السياسي، على الأقل علانيةً، ولدى كليهما رؤية لتخليص ليبيا ومصر من الإخوان المسلمين بصورة دائمة، ومع خلفيتيهما وأجندتيهما المشتركتين، فإنَّ السيسي وحفتر شريكان طبيعيان فيما يُصوِّرانه على أنَّه كفاحهما ضد التطرف، وهما يرغبان كل من جهته في إعادة انتاج “قذافي2” أو في تلبس حفتر لدور “سيسي ليبيا”…

 

 

  • عمل المصريون ضد عقوبات الأمم المتحدة وواصلوا إمداد قوات حفتر بالمعلومات الاستخباراتية والدعم العسكري على أمل تجنُّب تلك النتيجة، وعلى الرغم من التكهُّنات بأنَّ الحكومة المصرية ستتخلى عن حفتر بسبب إحباطها من القائد الليبي، تشير المخاوف الأمنية والاقتصادية إلى أنَّ القاهرة ستواصل رعاية قواته في ظل استمرار الحرب المعارك ووفقاً لوجهة نظر القادة المصريين فإنَّ حفتر هو الفاعل الوحيد الذي يمكنه إرساء الاستقرار في ليبيا، وأثبت قدرته على تحقيق جزء من أهدافهم في المناطق الحيوية على الصعيد الاستراتيجي…

 

  • مما لا شك فيه أن القاهرة لا يمكن لها أن تقبل بتكرر المثال التونسي وانتقاله الى بقية دول المنطقة وهي لن ترتاح الى تجربة ديمقراطية في ليبيا بلك تجسداتها، وبالتالي فهي نصير لمنطق خطة بسط أنظمة عسكرية في الكل المنطقة الشمال افريقية، وفي حد أدنى إيجاد آليات للحد من آثار أي مسار ديمقراطي في ليبيا والعمل ان لا يكون للإسلاميين ولحزب العدالة والبناء أي حجم ثقيل فيه….

 

  • المقاربة الثانية: التخلي الجزئي أو الكلي عن حفتر
  • عمليا يُدرك المصريون جيدا أنَّ الإمارات تُركِّز على الحرب وستواصل دعم قوات حفتر مالياً، لكنَّ مصر لا تتوقع أن يُعيد الإماراتيون إعمار ليبيا بمجرد تسوية الحرب الأهلية، وفي المقابل، ترى مصر أنَّها ستضطلع بمعظم ذلك الدور، وهو الامر الذي أوجد تباينا واضحا في الأولويات بين القاهرة وأبوظبي في ما يتعلَّق بغرب ليبيا، ذلك أن شرق ليبيا لا يمثل إلا ثلث سكان ليبيا، في حين يستضيف غرب البلاد مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وغيرهما، وقد تتاح للعمال المغتربين المصريين فرص حقيقية بمجرد انقشاع غبار الحرب، وهو حافز لتثبيط أي استراتيجية من شأنها «التخلي» عن غرب ليبيا والتركيز حصراً على بنغازي ومناطق البلاد الأخرى التي باتت تحت سيطرة قوات حفترمنذ نهاية سنة 2018 بعد السيطرة على درنة…

 

  • يُؤكد بعض المتابعين أنه على عكس بعض القراءات فان القاهرة ترى أنَّ حفتر كان عليه تجنُّب «عملية تحرير طرابلس» الجارية، وانتهاج السبل الدبلوماسية بدلاً من ذلك لتحقيق السيطرة على طرابلس، ولكن على الرغم من بعض المخاوف حيال هجوم قوات حفتر على طرابلس، والذي بدأ يوم 4 أبريل/نيسان الماضي، ظنَّت القاهرة أنَّه ما من خيارٍ أمامها إلا دعم هذا المسعى. ويتمثَّل أحد المخاوف الرئيسية لدى القيادات المصرية في أنَّ قبضة حفتر على السلطة شرقي ليبيا ربما تضعف نتيجةً لحملته الممتدة في الغرب، وهو الأمر الذي قد يخلق فراغاتٍ جديدة في السلطة لاحقا يمكن أن تهدد الأمن المصري…

 

  • رغم الرغبة في وجود حليفهم كفاعل رئيسي في مسارات السلطة المستقبلية، فانهم لن يعترضوا أبدا في المستقبل على فصل المسارين السياسي والعسكري ولكنهم سيركزون جهودهم أثناء المفاوضات على هوية العطايا الاقتصادية التي يمكن ان ينالوها في ظل حكومة وحدة وطنية مستقبلية، ومعلوم أن المصريين قد تواصلوا باسكال مختلفة خلال المدة الماضية مع حكومة الوفاق كما استقبلت أجهزتهم الخاصة والمعنية فعليا بالملف الليبي بكل مربعاته بعض شخصيات لا يرتاح حفتر لمجرد ذكر أسمائها…
** هل سيتخلى نظام السيسي عن حفتر بمرحلية وآليات ناعمة

 

  • الثابت أن أوضاع نظام السيسي الداخلية ليست على ما يرام وبالتالي فهو مضطر مستقبلا لخطوات للخلف من حيث حضوره الإقليمي وخاصة في الملف الليبي، ذلك أن نظامه وسط ضغوط من بينها ما هو:

 

  • محلي، على غرار إدارة علاقته بالبرلمان والأزهر وملفات حقوق الانسان وملف المعتقلين وملفات الإسلاميين وبقية المعارضين وصداع القنوات المصرية في الخارج…

 

  • إقليمي، على غرار ملف سد النهضة والوضع الإقليمي المتغير في دول الساحل والصحراء لغير صالح مصر، وعدم وضوح في مربعات عدة في علاقته مع الخليجيين…

 

  • دولي، على غرار علاقاته غير المستقرة مع الايطاليين والإدارة الامريكية وعلوم أن ترامب رفض مقترح للسيسي حول قمة مع المسؤولين الأفارقة في القاهرة شبيهة بقمة ترامب مع المسؤولين العرب في الرياض منذ سنتين…

 

  • تميل المؤسسة العسكرية المصرية الى المزاوجة بين المقاربتين سالفتي الذكر أعلاه وهي عمليا المالكة فعليا للملف رغم الفعل السياسي للجامعة العربية وللخارجية المصرية فيه، وبالتالي من المنتظر أن تُمارس ليونة لا تُهدد موقعها في الداخل المصري وأيضا رؤيتها لسير الإقليم ككل وفي تماه مع شركائها الرئيسيين سواء طاموا دوليين أو اقليميين وأيضا بناء على رؤيتها الاستراتيجية لكل المنطقة…

 

  • النُقطتين سالفتي الذكر تؤكدان أن نظام السياسي لا يملك كل الأوراق في أن يصر على دور لحفتر أو حتى يُواصل دعمه سواء كعسكري وقبل ذلك كسياسي وبالتالي لا يمكن السماح له بإعادة انتاج “القذافي2” في ليبيا ولا حتى نقل النموذج المصري بحرفية الى ليبيا أي ان منطق إيجاد “سيسي ليبيا” انتهى كسيناريو فعليا منذ 2014 وتحديدا منذ خسر حلفاء حفتر المحليين معركة المطار، كما أن العمر الافتراضي لنظام السيسي ووجوده كشخص في واجهة السلطة مستقبلا أمر جد مستبعد في آفاق ما بعد السنتين القادمتين لان دوره الفعلي كراس للنظام المصري انتهى موضوعيا وهو دور يمكن القول أنه كان فرملة “الأخوان” وتحويلهم الى “حركة النهضة2” أي أن يكونوا واقعيين وشركاء في السلطة تحت بند “المشاركة” لا “المغالبة” و يتبعون ديناميكية التعامل المرحلي مع الآخر السياسي سواء كان محليا أو إقليميا أو دوليا…

 

  • لا يُمكن بناء حل في ليبيا بوجود شخص مثل “حفتر” في المربع الأول للحلول وان كان إخراجه منه في خطوة واحدة أمر جد صعب إلا باختفائه لسبب من الأسباب، أي ان قبول المصريين بإخراجه قد يكون عبر مرحلية مُرتبة ومدروسة أو عبر آليات ناعمة، وذلك أمر ممكن خاصة بعد أن أيقن المصرين أنفسهم أن الرجل عجز عن بسط نفوذه وأن أدواره الوظيفية انتهت وأنه اصبح خارج المعادلة في أفق السنوات الخمس القادمة في ليبيا، وأنه قد يكون فعليا مثال ثان مشابه لـــ”فرح عيديد2″ ( أي القائد الصومالي الأسبق)، أو “عبدالرشيد دوستم2″(قائد أفغاني سابق) أو “جون قرنق2 ” (زعيم سوداني سابق )….

المصدر : صحيفة الرأي العام التونسية العدد 133 بتاريخ ٢١ نوفمبر ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق