الجزائرتحاليل

الجزائر: ما سر الاجماع والتناغم في الخطاب السياسي لمرشحي رئاسيات 12 ديسمبر؟

علي عبداللطيف اللافي
كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

      بيَن الخطاب السياسي للمُرشحين الخمس لرئاسيات 12 ديسمبر المقبل، أن هناك تناغما كبيرا في الخطاب السياسي وفي الرؤى لمختلف المواضيع بما فيها تلك التي توصف بالقضايا الاشكالية والتي هي محل جدل كبير في الصالونات السياسية، خاصة وقد ظهر للرأي العام الجزائري وكأنه يستمع لمرشح واحد وليس الى خمس مرشحين، فما هو سر ذلك التناغم وتلاقي الأوتار بين “ميهوبي” و”بلعيد” و”بن فليس” و”تبون” و”بن قرينة” سواء كانت المواضع محلية أو إقليمية أو دولية؟

** أمثلة عملية على اجماع المرشحين والتناغم في الخطاب بينهم    

لا يختلف اثنان في أن المرشحين الخمس ومنذ افتتاح الحملة في 17 نوفمبر الحالي لهم خطاب واحد وان اطروحاتهم جد متناغمة في قراءة الإشكاليات التي هي مثال جدل في الشارع الجزائري، ويمكن استنتاج ذلك من خلال الأمثلة الثلاث التالية:

1- المثال الأول، خطاب التناغم وأريحية العلاقة مع المؤسسة العسكرية

  • أ- حافظ المرشحين الخمس على علاقة ودية مع المؤسسة العسكرية واعتبروا أن محيط بوتفليقة الاستشاري والتنفيذي هو المسؤول عما جرى من خراب وفساد وويلات خلال العقدين الماضيين، وتبنوا مفهوم العصابة (محيط توفيق ومساعديه وحلفائه من رجال مال وأعمال وسياسيين)، وهي قراءة رددها نائب وزير الدفاع قايد صالح في كل خطابته في أكثر من مناسبة وركز عليها في قراءة الاحداث والتطورات…

 

  • ب- إن كان تبني المرشحين الخمس لرؤية المؤسسة العسكرية مفهوما من حيث رؤية دورها الاستراتيجي كمؤسسة سيادية أولى حامية للجزائر من أي تهديدات فان كل المرشحين اعتمد نسقيا نفس الأسلوب والتواصل وتنزيل أدوارها المستقبلية وأيضا في تفهم مواقفها وأطروحاتها ورؤيتها لأهمية المسار الانتخابي وأوليته…

 

  • ت- بعض المتابعين للشأن الجزائري أكدوا وان المرشحين الخمس يحضون بنفس الدعم من رجالات المؤسسة العسكرية النافذين وأيضا من طرف قيادتها الحالية رغم أن بعض جمعيات العسكريين المتقاعدين أعطوا وأعلنوا عن دعم واضح للمرشح “عبد المجيد تبون”، بينما تتحدث بعض مصادر أن الأمر قد يكون مختلفا من حيث موقف بعض مؤسسات السلطة ومن المبكر الحكم على موقف المؤسسة العسكرية أيضا…

2- المثال الثاني، اجماع في تغليب الخطاب الاقتصادي والاجتماعي خلال الحملة

عمليا تسابق المرشحين الخمسة من افتتاح حملاتهم الانتخابية لعرض رؤيتهم الاقتصادية والاجتماعية ،وبدت حملاتهم متناغمة في السعي لإخراج البلاد من الأزمة ودفع عجلة التنمیة الاقتصادية ورفع القدرة المعیشیة للجزائريين، وكل ذلك يعتبر مفهوما في ظل تھاوى سعر الدينار وإنھیار المقدرة الشرائیة مقارنة ببداية الالفية الحالية، بل أن خطاب المرشحين تمركز أساسا على إعادة إنعاش الاقتصاد ورفع قیمة الدينار التي تھاوت بشكل كبیر وفقا لقاءات المختصين، حيث ركز المرشحين الخمس على استرجاع المال المنھوب نحو الخارج وعلى آليات وامكانیة استرجاعه إلى الخزينة الجزائرية والسعي الى احتواء الاموال الموجودة في السوق الموازية وادخالها المساك الرسمية، حتى أن جميعهم دعا إلى إعطاء الأولية لملف الفساد بكل ابعاده وتفاصيله وإلى ضرورة أن يأخذ القانون مجراه الطبیعي في المعالجة ومن أجل استرجاع الأموال المختلسة مع الحفاظ على مؤسسات الدولة وفاعليتها…

3- المثال الثالث في الرد على تدخل الاتحاد الأوروبي

  • أ- اجمع المترشحون الخمسة خلال تصريحاتھم يوم السبت الماضي على رفض التدخلات الخارجیة الأوروبیة في الشأن الجزائري بعد برمجة برلمان الإتحاد الأوروبي لجلسة يتم خلالھا مناقشة الأوضاع في الجزائر، بل أن جميع المترشحين فتحوا النار على برلمان الاتحاد الأوروبي معتبرين أن خطوته تعد تدخلا صارخا في الشؤون الداخلیة الجزائرية، كما اعتبر المترشحون أن التدخل السافر للاتحاد الاوروبي يدل على وجود رغبة ظاھرة في عرقلة السیر الحسن للرئاسیات في الجزائر، كما دعا المترشحون، الجزائريین للرد بقوة على التدخلات الخارجیة عن طريق التوجه بقوة الى صناديق الاقتراع يوم 12 ديسمبر…

 

  • ب- تناغم الرد بالنسبة للمترشحين الخمس لم يمنع وزير السياحة السابق ومرشح حزب البناء الوطني من أن يقول ان الجزائر ليست في حاجة الى “حفتر” جزائري في رسالة واضحة لبعض البلدان الاوروبية التي صمتت أو تراخت( وبعضها دعم) هجوم العسكري الليبي المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس منذ 04 افريل الماضي…

** قراءة في أسباب التناغم والالتقاء في تشخيص الازمة وطرق معالجتها

موضوعيا يمكن تلخيص المقاربات في توحيد خطاب المرشحين وبالأحرى التناغم بينهم وفي رؤيتهم لتشخيص ومعالجة الازمة الجزائرية التي ترتبت عن العقود الماضية واساسا عن عقدي حكم بوتفليقة في مقاربتين رئيسيتين وهما:

أ- المقاربة الأولى، مرشحي سيستام واحد لايزال يتحكم في كل الارهاصات

وهي مقاربة يتبناها معارضي الانتخابات ورافضيها وتردد ضمن فاعلي وناشطي الحراك ومحركيه الأساسيين وتقوم هذه المقاربة أيضا على فلسفة ان السيستام تخلص موضوعيا من جزء من جسمه او بالأحرى به وانه أي السيستام اختار المنطق الناعم في التفاعل مع مطالب المحتجين ومسقطي العهدة الخامسةوأنه اختار بنفيه المرشحين عبر التقاء معهم سواء كان موضوعيا او بهندسة اتفاقات منفصلة معهم ولكنها تمت بنفس الآلية والكيفية، وتقوم المقاربة على

  • المرشحين الخمسة خدموا مع بوتفليقة وكانوا وزراء له ومساعدين ومسوؤلين على ما حصل طوال عقدين فهم عمليا رئيسي وزراء (بن فليس – تبون) ووسرين في حكوماته (بن قرينة وزير السياحة الأسبق – ميهوي وزير الثقافة الأسبق)، وبلعيد أحد اهم الفاعلين في شبيبة السيستام أحد رؤساء أحزاب السيستام التي كان لها نواب في غرفه التشريعية….
  •   أن المرشحين الخمسة قبلوا بالمسار الحالي تناغما مع أطروحات السيستام بينما كان من الافلصل التريث في تكريس مسار قد لا يصلح شيئا مما فسد خلال حقبة بوتفليقة خلال عقدي حكمه…

ب- المقاربة الثانية، قراءة تقوم الوعي بعدم التفريط استراتيجيا في روح ثورة نوفمبر وتقدير خطورة الأمواج الإقليمية المتلاطمة  

تقوم هذه المقاربة عمليا على أن الجزائر ليست جزيرة منفصلة عن التطورات الجارية في الإقليم والذي تعصف به منذ 2011 أمواج متلاطمة متماهية مع متغيرات في موازين القوى الدولية، ,ان الجزائر مستهدفة في استقرارها وامتدادها الجغرافي وفي مكاسبها التاريخية وأن تأجيل حل المشكل السياسي يهدد كيان الدولة وسنسف عمليا مكاسب ثورة الفاتح من نوفمبر 1954، خاصة ان موقعها وفعلها في القضايا الإقليمية لا يمكن اغفالها وان أي لجوء لبناء مسار تأسيسي هو ارباك للدول ة وللمجتمع وبناء مسار ديمقراطي يتم ما بعد انتخاب رئيس قوي وقادر على بناء مسارات ثانية ترسخ الحرية والديمقراطية والنزاهة والعدل وحتى لا يتكرر عمليا ما حدث بعد أحداث أكتوبر 1988، وتنبين القراءة على أن هناك مسارات لاستهداف أدوار الجزائر متوسطيا وافريقيا وعربيا وأيضا في مواقفها من القضية الفلسطينية ورفضها لمسارات التطبيع التي يراد تركيع العرب فيها وفي خضمها….

المصدر :  24/24 بتاريخ ٢٦ نوفمبر ٢٠١٩   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق