تحاليلتونس

تونس: الخطة “د” أو ماذا ينوي اباطرة الدولة العميقة فعله في ترابط مع مشغليهم الإقليميين والدوليين (1من 3)

علي عبداللطيف اللافي
كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

أ- بينت الدراسات الاجتماعية أن منظومات الفساد والإفساد لا تموت ولا تتقطع أوصالها بل هي في تغير مستمر أو هي تموت لترثها أخرى أو هي تعمد لتغيير جلودها وآليات عملها، وتبين من خلال دراسة التجارب أن تلك المنظومات تحاول بشكل سياقي التلاؤم مع التطورات وفهم رسائل الدولة وأجهزتها وردات فعل الشارع ورسائله في كل استحقاق انتخابي…

ب- تعمد منظومات الفساد والمافيا ذات الاذرع الممتدة في كل المجالات إلى تغيير أنماط فعلها اليومي في تفاعل وتلاؤم مع متغيرات وآليات مشغليها الإقليميين (ليسوا سوى أذرع مشتغلة لصالح مشغليها الدوليين)، ويتم ذلك عبر ادخال لاعبين جُدد وفسخ آخرين من المشهد عبر اطلاق رصاصات الرحمة عليهم سواء فعليا من خلال أدوات مباشرة أو عبر مرحلية وطرق وآليات ناعمة، ومما لا شك فيه انه لا يمكن للمتابع العادي تبين ذلك الفعل وتلك التغييرات والمتغيرات لأنها تخضع للسري وللإخفاء والتكتم وعدم ترك البصمات، فالسارق لا يتحرك في الأضواء والمستعمر لم يعد يعلن اليات استعماره، ولكن كيف يمكن فهم وتبين ذلك في بلد لا تزال بصمات حشاد والثعالبي وبورقيبة وبن يوسف تلقي بظلالها على فعل شعبها وفي آليات تفكيره وهو ما ثبت في رسائل انتخابات 06 أكتوبر 2019، ومعلوم أن خططا سابقة ترنحت ولم تؤدي المقصود ولم تضمن مواقع وفعل مريحين للأباطرة المحليين والإقليميين والدوليين، ونعتقد أن الخطط المترنحة قبل وبعد الاستحقاقات الانتخابية هي تقريبا ثلاث ومعطياتنا حولها نظرية عبر متابعة فعلها السياسي والإعلامي، وهي ليست معطيات رصدية ميدانية أو بشرية مباشرة:

  • الخطة “أ” وهي الأولى التي بنيت لخوض المسار الانتخابي بنسختيه الرئاسية والتشريعية
  • الخطة “ب” وهي أكثر وضوحا وتجسدا وبنيت أثناء تشكيل القائمات التشريعية، وإن تعود أنماط التفكير فيها والتخطيط الى سنتين سابقتين للمسار الانتخابي، وقامت عمليا على توظيف القائمات المستقلة،
  • الخطة “ج” وهي وضعت بسرعة وعجلة ما بعد نتائج الاستحقاقين التشريعي والرئاسي) نتاج اللطخات الثلاث التي افرزها الصندوق في دوري الرئاسية ودور التشريعية…

ت- مما لا شك فيه أنه لا يمكن معرفة كنه الخطط سالفة الذكر، كما لا يمكن كشف كل تفاصيلها ولا يمكن حتى المغامرة بنشرها حتى لو عُرفت جزئيا أو كليا نتاج عدم القدرة في التدليل عليها، وعمليا طالما تساءل كثير من المراقبين للأوضاع في تونس بمن فيهم الشباب المثقف وبعض النخب، ماذا يحدث في تونس تحديدا وخاصة ما بعد 13 أكتوبر الماضي بعد انتخاب سعيد رئيسا للجمهورية بتلك النسبة العالية وهو ما يعني رسالة شعبية لأولئك الاباطرة والثابت أن تلك الأسئلة تعتبر واقعية وطبيعة في ظل تعدد القراءات والرؤى وتسرع الأحداث محليا وإقليميا ودوليا خلال الاسابيع الماضية، وبالتالي ما هي الخطوط الكبرى للخطة “د” وماذا ينوي اباطرة الدولة العميقة فعله في ترابط منهجي وعلاقاتي مع مشغليهم الإقليميين والدوليين؟

الحلقة الأولى
إسقاطات الراهن الدولي والإقليمي وعلاقته بالمشهد السياسي

1- لا خلاف في أن تونس وطبيعة موقعها الجغراسياسي في المتوسط وفي شمال القارة الإفريقية وأحد دول المغرب العربي الكبير، ستبقى رهان القوى الدولية والمحاور الإقليمية وهذه الأخيرة تم إعادة تشكيلها كما تحولت منذ بداية العقد الحالي إلى مجرد أذرع خادمة للقوى الدولية عبر القيام بمهام وظيفية مسطرة ضمن استراتيجيات وخطط بعيدة المدى بل أن بعضهما أصبحا ملحق موضوعيا بركب محافل وممثليات شركات كبرى وعابرة للقارات، وقد تبين من خلال تطورات الأشهر والأسابيع الماضية حرص تلك الأطراف أن تواصل منهجها التوظيفي لتونس وسياسييها بنفس المنطق القديم والمعتمد طوال العقود الست الماضية لأن الذهنية السياسية مبينة تجاه تونس أنها “أرض رخوة” باعتبار أنها سابقا كانت تلعب عبرها دور اختراق خصومها الدوليين كانوا أو إقليميين ولعل أهم الأمثلة هو أن أول سفير عراقي استقطبه الغرب وجندته بعض أجهزة دول غربية ضد الرئيس صدام حسين يومها هو السفير العراقي في تونس…

2- مما لا شك فيه أن تونس مثلها مثل لبنان مثلت وتمثل مطمحا سياسيا نموذجيا ورافعة ترانزيت في ذهنية بعض الدول الغربية والخليجية خاصة، حتى أن بعض الدول اعتمدت في دعم أحزاب سياسية وتيارات فكرية وفروع منظمات بعينها لخدمة أهدافها ومراميها وفي مناكفة الدول الخصمة لها:

** ظهور فروع لكل أنواع التيارات الماركسية ومختلف المدارس الاشتراكية التي ظهرت في الصين وروسيا وكوريا وكوبا وألبانيا…

** تنظيم اللجان الثورية في تونس مثلا كان له أكثر من جناح مختلف عن الثاني وفي تنافس زعاماتي معه…

** عرفت تونس صراعا مريرا مثلا بين تنظيمات البعث السوري والبعث العراقي وهذه الأخيرة كانت متعددة ومتصارعة فيما بينها وكلها مرتبط بمركز دولة البعث….

أ- رغم أنه بعد ثورة الحرية والكرامة لاحظ الجميع تغير استراتيجيات الغرب في التعامل مع النخبة السياسية ولكن تسارع الأحداث والتطورات وظهور موجات الثورات المضادة العربية جعل الغرب مجددا يفرمل طرق عمله الجديدة واستراتيجياته ثم يراهن من جديد على عودة السياسيات القديمة، وهو ما افقد تونس فرض ومساحات من الحرية وفتح علاقات جديدة مع آسيا وأمريكا الجنوبية ومع الصين ومع بقية الدول الإسلامية ( ماليزيا – اندونيسيا – باكستان ….)، ولكن من الواضح أن الرئيس قيس سعيد قد أعلن ان تونس ستتعامل مع الجميع وهو ما نعتقد أن أحزاب الاتلاف الحاكم الجديد سينسون عل نفس الموقف والاهم هو على مستوى الفعل…

ب- على رئاسة الجمهورية والحكومة المرتقبة الوعي الكامل أن خطة الاباطرة والتي نوسمها بالخطة “د”، تترابط مع إرادة تمرير صفقة القرن وإدارة الصراعات في الشرق الأوسط، وهو منطق كان وسيكون لها أثر في مسار الأحداث والتطورات في تونس، كما لابد من الانتباه الى أنه على المستوى الإقليمي سيتواصل التباين والصراع بين محورين إقليميين يتبنيان رؤيتين مختلفتين بغض النظر عن تركيبة المحورين وصدقهما في دعم وكلائهما المحليين فكريا وسياسيا واجتماعيا:

** رؤية أولى، تعمل على تجسيد ودعم قيام أنظمة عسكرية في المنطقة الشمال افريقية وحرق ثورات الربيع العربي وغلق قوسها بل وتحويل مآسي الأوضاع الحالية والمترتبة عن عقود الاستبداد إلى أسباب موضوعية لعودة المنظومات القديمة واعتبار ذلك تتويج للثورات المضادة…. 

**رؤية ثانية، تقوم على التصدي لعودة المنظومات القديمة ودعم منطق التحرر والسيادة والإنعتاق باعتباره مطمح الشعوب وطريق ممهدة لعودة العرب والمسلمون للتاريخ…

ج- الثابت أن الخطة أ وبغض النظر عن تفاصيلها الدقيقة مرتكزة على القراءة الغربية والقائمة موضوعيا على خلق جسم سياسي واسع وديناميكي يكون قادرا على منافسة التيار الإسلامي (النهضة أساسا) أو التوافق معه وفقا للمتغيرات وبناء على تطورات الأحداث الإقليمية المشار إليه سابقا في هذا الاتجاه أو ذاك، وما صراعات مرزوق/السبسي الابن سنة 2015 ثم الشاهد/السبسي الابن سنة 2018 وغيرها من الصراعات بين الأحزاب الدستورية والتجمعية (يُراد وسمها بالعصرية والوسطية كتحيل سياسي على الٍرأي العام) ما هي الا أمثلة على تلك القراءات بل هي أمثلة وتفاصيل تجسيدية لتلك الاستراتيجية والتي أربكت الأوضاع ووجهتها في مسارات أخرى بالتناغم مع تطورات الإقليمي بين سنتي 2015و2018 …

ح في تصورنا أن تأسيس أحزاب على غرار “آفاق تونس”، “الجمهوري” سنتي 2011و2012 ثم “النداء” ثم “المشروع”، ما هو إلا استجابة عملية بأدوات ومنازع محلية للقراءة الغربية والأمريكية تحديدا المشار إليها سابقا، لتتبلور في مرحلة ثانية في شكل بقاء الشاهد رقما رئيسيا في المعادلة السياسية ثم ليكون تأسيس “تحيا تونس” مُكملا للذهاب المستقبلي في نهج تلك الاستراتيجية، ورغم سقوط بعض او بالأحرى جزء من تلك الاستراتيجيا سيعمل الاباطرة في تناغم كامل مع مشغليهم الاقلميين زالدوليين على خلق أجسام وظيفية جديدة أو في اختراق أجسام موجودة وهو نسق متنامي في اخترق بطئ وناعم لاجسام أحزاب وتنظيمات اليسار والقوميين والإسلاميين وليس هناك استمثاء والفرق الوحيد هو في مدى درجة ذلك الاختراق وهل هو في المفاصل الرئيسية أو الثانوية…

خ  ورثت النخب السياسية التونسية أمراض البورقيبية وسيئات وكوارث حقبتي الاستبداد وانعكس ذلك على المعارضة التونسية في بناها التنظيمية والفكرية والسياسية منذ السبعينات لتصاب بأمراض الزعامتية والمحاور داخل نفس الحزب بمنطق مرضي وتقديم الفرد ومصالحه وأنانيته على مؤسسات الحزب والتنظيم وغياب استراتيجيا الوطن وقضاياه والمشاكل الاجتماعية للتونسيين فبقيت الأهداف ضمن السياسي ولم تنزل للاجتماعي والوطني في أفقه الواسعة ( الثقافي والأمن القومي – مصالح الوطن في الإقليم وارتباطاته بالأمة ومصالحها الإستراتيجية) وهي رؤية ومخطط قوى دولية ظاهرة وخفية تعتمد التنزيل عبر مسالك التجارة ومسالك الثقافة والإعلام والعولمة وحتى عبر التكنولوجيا وفلسفة التطور والصراع وهو أمر ستستمر تداعياته من خلال الانشقاق والصراعات في المرتمرات ومن خلال تكريس الزبونية السياسية ومن خلال السياحة الحزبية وفي سقوط كتل برلمانية وظهور أخرى والغريب ليس حدوثه بل ان خطورته وقبل ذلك غرابته في انه على خيط ناظم مع اباطرة لا يظهرون في الصورة ويعملون على تجسيد ذلك وقبله تمويل كل تفاصيله خدمة لأجنداته  المافيوزية والعلاقتية مع مشغلين اقليميين بالأساس طمعا في قبر تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس

د – كل ذلك سيؤثر في مرحلة تشكيل الحكومة وطبيعة العلاقة بين مكوناتها وفي فعلها السياسي والاجتماعي لاحقا وذلك هو المقصد الرئيسي للخطة التي وسمناها من حيث التسمية بالحطة “د”، ولعل سيل الأكاذيب والاشاعات وعمليات التشويه الممنهجة والتوجيه الإعلامي المقيت للقضايا وتضخمي بعض احداث وتغييب أخرى رغم اهمتيها هي نقاط رئيسية في تلك الخطة في انتظار بسط بقية نقاطها في الحلقتين المقبلتين من هذه الداراسة التحيليلة ….

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق