تحاليلتونس

تونس: الخطة “د” أو ماذا ينوي اباطرة الدولة العميقة فعله في ترابط مع مشغليهم الإقليميين والدوليين (2 من 3)

علي عبداللطيف اللافي
كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

أ- بينت الدراسات الاجتماعية أن الدول تترهل وتتهاوى وتصبح متداعية للسقوط كلما تمكنت منظومات الفساد والإفساد من احياء لوبياتها، وأن تلك المنظومات لا تموت ولا تتقطع أوصالها بل هي في تغير مستمر او هي تُورث عمليا لفاسدين جُدد، كما أنها تحاول بشكل سياقي التلاؤم مع التطورات وفهم الرسائل وردات فعل الشارع ورسائله التي يبعثها في كبرى المحطات والمناسبات أو في كل استحقاق انتخابي عندما تعاد العُهدة إليه…

ب- عمليا تعمد منظومات الفساد والمافيا ذات الاذرع الممتدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية إلى تغيير أنماط فعلها اليومي في تفاعل وتلاؤم مع متغيرات وآليات مشغليها الإقليميين ومن وراءهم المشغلين الدوليين، وطبعا لا يُمكن للمتابع العادي تبين ذلك الفعل وتلك التغييرات والمتغيرات لأنها تخضع للإخفاء والتكتم وعدم ترك البصمات…

ت- طالما تساءل كثير من المراقبين للأوضاع في تونس، ماذا يحدث في تونس وخاصة ما بعد 13 أكتوبر الماضي أي ما بعد انتخاب سعيد رئيسا للجمهورية، في ظل رسالة شعبية لأولئك الاباطرة بأن هناك حالة وعي للتصدي لهم ولأجنحتهم، والثابت أن تلك الأسئلة تعتبر واقعية وطبيعة في ظل تعدد القراءات والرؤى وتسارع الأحداث محليا وإقليميا ودوليا خلال الأشهر الماضية، وبالتالي ما هي الخطوط الكبرى للخطة “د”، وماذا ينوي اباطرة الدولة العميقة فعله في ترابط منهجي وعلاقاتي مع مشغليهم الإقليميين والدوليين؟

 ث- عمليا استعرضنا في الحلقة الأولى من هذه الدراسة التحليلية، اسقاطات الواقع الدولي والإقليمي وآثاره الأنية والمستقبلية على المشهد السياسي التونسي وبعض الملامح الأولى لما أسميناه بالخطة “د”[1]، والتي لا شك أنها تخضع للتحيين بناء على المعطيات الجديدة والتطورات في الداخل والخارج التونسي، بينما نستعرض في هذه الحلقة الثانية الى قراءة تشخيصية لما يجري من تطورات داخلية واسقاطات الوضعين الاقتصادي والاجتماعي… 

الحلقة الثانية

إسقاطات الوضعين الاقتصادي والاجتماعي على المشهد السياسي

أ- لا خلاف أن المنظومة الحاكمة في منتصف الثمانيات التي سمحت لشخص من سقط المتاع السياسي على غرار المخلوع وحاشيته الحزبية والعائلية والاستشارية، بأن يحكم تونس طوال 23 سنة بالتمام والكمال هي عمليا منظومة مُترابطة الأبعاد من حيث علاقة السياسي الشرق أوسطي والشركات العابرة للقارات، إضافة أن تلك المنظومة على ترابط خفي مع لوبيات مالية في الداخل والخارج وخُيوط ترابط مع سند دولي وإقليمي سياسي وفكري وثقافي[2]، وهو أمر بينا تفاصيله في الحلقة الأولى من هذه الدراسة التحليلية…

ب- أيقنت منظومة الفساد المُترابطة محليا وإقليميا ودوليا مبكرا أن وكلائها السابقين لم يعودوا جوادا رابحا، وأن هناك إرادة شعبية في التخلص من الدكتاتورية واستبطنت بسرعة خطة ومسارا مستقبليا يقوم على تنديم التونسيين عن ذلك، فبدأت في رسم ملامح خطة أولية عبر أذرعها ولوبياتها تعمل على تجويع التونسيين وإرباك اقتصاد لبلاد وإرباك الموازنات المالية بحثا عن تقسيم منظومة الثورة إلى تقسيمات منهجية ظاهرها سياسي ولكن باطنها مخطط له عبر لافتات اجتماعية واقتصادية مالية حتى أن الهدف الرئيسي لكل العمليات الإرهابية وخاصة بين سنتي 2014و2016 كان الغاية منه هز أسس الاقتصاد التونسي، والذي ترتب عليه كما هو معلوم تعويم الدينار وإنهاك مستمر للمالية العمومية والذي زادته عملية تعاقب الحكومات وتردد وزراءها وفاعليها أزمة على أزماته السابقة…

ت- يتم أيضا تفعيل فعلي للخطة “د” العمل على مزيد تغذية روح النقمة لدى الفئات الاجتماعية الضعيفة والمتوسطة، وعبر توظيف معطى أن الأسر أصبحت تُلاحق لقمة العيش مما يعني أن جل اهتماماتها ستتحول إلى تغطية لقمة العيش، وما يعنيه ذلك من استفراد النخب والطبقات البورجوازية بالاهتمامات الثقافية والسياسية، وهو ما سهل سنة 2014 في إعادة تركيب المنظومة وفقا لنفس المقاييس عبر الدفع إلى الاحتكار وتكديس الثروة لدى وكلاء الشركات العابرة للقارات والقريبين من المحافل واللوبيات وبعض مؤسسات عالمية نافذة ومتنفذة…

ث- عملت أذرع إقليمية بين سنتي 2014و2016 على الترويج لسياسة الدفع بالتكنوقراط مجددا في هياكل الإدارة وهم الذين من السهل احتواءهم في إرساء بيروقراطية جديدة متكلسة زادت في تكبيل فعل المؤسسات الوطنية ورهنت فعلها وأهدافها المستقبلية بمصالح كبار رجال الأعمال المسيطرين منذ أكثر من عقدين على القطاعات الرياضية والشبابية والذين أضافوا إلى أجنداتهم واهتماماتهم الجديدة التحكم وتمويل وسائل الإعلام على غرار القنوات التلفزية الخاصة وتوزيع الإشهار على الصحف والمواقع والصفحات والإذاعات، وليتحولوا أولئك لاحقا إلى متحكمين موضوعيا في المنظمات والأحزاب وبعض الجمعيات، وإلا ماذا يعني تدمير بعض أحزاب لصالح أخرى مستحدث ومؤمنة بالتوحش الليبرالي والارتباط بمؤسسات دولية للاستثمار في الطاقة وفي القطاعات الحيوية والكبرى؟ وماذا يعني أيضا أن تقوم أحزاب بعينها بأدوار وظيفية وفقا لطبيعة المرحلة (وهو أيضا جزء أساسي من الخطة “د”) من حيث تغير أجنداتها وتنقلها من اليسار لليمين ومن دور لآخر…

ج- عمليا سقطت كل المنظمات الوطنية وخاصة النقابية منها في رفع سقف المطلبية المادية مقابل تناسي دعم عقلية الإنتاج لمنظوريهم في الإدارة والشركات الخاصة، بل أن بعض تلك المنظمات سقطت آليا في معارك جانبية على غرار التجاذب وأصبحت سهاما للبعض من القوى المنتقدة لها عبر اتهامات متبادلة، وبالتوازي مع ذلك تحولت مطالب التقليص في البطالة وتشغيل أصحاب الشهادات إلى أولوية رابعة إن لم نقل خامسة أو سادسة في أحسن الأحوال، واضافة الى كل ذلك  سقط اتحادي “الأعراف” و”الشغل” بشكل رئيسي في العودة إلى مربعات ما قبل 2010 ورغم فك الارتباط عشية الثورة  بين مركزيتي المنظمتين والأحزابم بشكل مباشر، فإنهما سقطتا في أخطاء قاتلة لأنهما تحولتا إلى مدار للتوظيف السياسي وذلك عبر سقوط منهجي لصورة الاستقلالية عنهما بأشكال تراتبية وغير مباشرة حيث كثر التجاذب داخلهما، وتقوم الخطة “د” على إعادة توظيفهما من جديد خلال الأسابيع  والأشهر القادمة، ولا يعني ذلك أن هياكل المنظمتين ستسقطان مجددا في ما حدث سنتي 2012و2013 أو الارتخاء في متابعة مصالح منظوريهم كما حدث بين 2014 و2019…

ح- ساهمتواصل التركيز على مُتابعة وتنمية قطاع السياحة في إعاقة موضوعية ومنهجية لقطاعي الصناعة والفلاحة، وهو ما كرس عمليا فشل المنوال التنموي، والذي أصبح من الماضي بكل المقاييس، وكل ذلك أدى إلى فشل انجاز حتى ما هو مُبرمج من مشاريع التنمية في عديد الجهات رغم رفع مستمر لشعار سياسات التمييز الإيجابي من طرف كل الحكومات المتعاقبة…

 خ- كلما سبق ذكره من تنزيل سياسات احتوائية للمنظومة القديمة في غفلة من شباب وفاعلي الثورة، أدى عمليا إلى تقوية نزعة اليأس والإحباط وخاصة في الجهات المستثناة منذ عقود…

د- أصبح هناك شعور عام ومتنام أن الإصلاح لم ولن يأتي ونعتقد أن ذلك سيوظف في التجاذب القادم، كما كرس البعض من الناعقين على غرار أكثر من “كرونيكار” تلفزي في القنوات الخاصة خطابا يوميا لعقلية مقارنة مغلوطة مع الوضع بفترة المخلوع، ونسوا أن مخلوعهم ما هرب في الحقيقة إلا لسببين:

  1.  أولا، لجبنه وعجزه وتخلي داعميه الاقليميين عنه، كما أنه يعرف ما أدت سياساته اليه والدليل أنه استهزأ بوزيره ومنظر النظام “الصادق شعبان” عندما قدم له تقرير “تونس2030″…
  2. ثانيا، لأنه أصبح على يقين انه لن يستطيع مجابهة واقع تسبب هو بنفسه في ذلك عبر تدمير آمال المستقبل فيه من خلال سياساته وإجراءاته وطبيعة تركيبة محيطه، وكيف أنه وحزبه ومساعديه قد حولوا الإدارة والاقتصاد إلى حطام، والحقيقة أن اقتصادنا مدمر منذ سنة 1986 وأنه لم يصمد طوال عقدين لولا ضمانات مالية هائلة كان القذافي يدفع بها لحمايته وحماية نفسه وهو ما يعرفه البعض عبر وديعة كبرى في البنك المركزي[3]

ذ- عمليا لمتتجسد التعددية النقابية بآليات محترفة وواقعية مما ثبط فعل المنظمات الجديدة وسقطت أسس فعاليتها وديناميكيتها للإضافة المرجوة وللتطوير ولم يستفد الاقتصاد التونسي في أي شيء لا من التعددية النقابية ولا من غيرها مما كسبته المنظمات الوطنية في فك ارتباطها بالحزب الحاكم والذي كان مكرسا خلال حقبتي الاستبداد…

ر- لقدوقع لبس في الفهم وتحولت نقمة المواطن كلها في اتجاه السياسيين والبرلمانيين وخاصة بعد سنة 2015، وطبعا لا شك أن أولئك مسؤولين بشكل رئيسي على كل ما جرى وعلى ما يجري وعلى ما يحدث، وهم فعليا يتحملون جزء من الوزر الحالي ببعديه الاقتصادي والاجتماعي ولكن الحقيقة أن بعض لوبيات وعدد من رجال الأعمال هم من عبثوا بأحلام شباب الثورة عبر سياسيات الاحتكار والتفقير والجشع والولاء لمزوديها المحليين والخارجيين وعبر التداخل في مواقفهم وسياساتهم التسويقية والإنتاجية بين الإقليمي والمحلي وعبر اختراق السياسيات الإعلامية والاتصالية مما أوجد عقلية التثبيط واليأس والإحباط لدى أغلب إن لم نقل كل التونسيين…

ز- مما لا شك فيه أن الخطة “د” تقوم تفصيليا على عرقلة أن سنة 2020 هي سنة الإقلاع الاقتصادي وان عملية الإجراءات المؤلمة لم تعد مطروحة ولا ضرورة لها، وأننا سنرى سنة 2021 استثمار واضح لتضحيات السنوات الماضية، ولكن اباطرة الدولة العميقة سيعمدون الى أن نرى فقط السواد والظلام من جديد، والسؤال المطروح حاليا هو “هل سنفلح عبر منهجيات محددة في تصبيك عزائمهم وعزائم مشغليهم الإقليميين وفي بعث امل لشباب تونس وكل مواطنيهم في كل الجهات؟

يتبع     

________________________

الهوامش : 

[1]  أسبوعية “الراي العام” التونسية العدد 134 بتاريخ 28-12-2019

[2]  مقال الكاتب -أسبوعية “الراي العام” العدد 117 بتاريخ 25-07-2019، ” الرؤية المغيبة وحقيقة م يحدث في تونس من صراعات وتباينات ج2 ” ص 8-9

[3]    نفس المصدر السابق ص 8 -9

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق