تحاليلتونس

تونس: الخطة “د” أو ماذا ينوي اباطرة الدولة العميقة فعله في ترابط مع مشغليهم الإقليميين والدوليين (3 من 3)

علي عبداللطيف اللافي
كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

أ- مما لا شك فيه أن الدول تترهل وتتهاوى كلما تمكنت منظومات الفساد والإفساد من الولوج لمربعات الفكر والثقافة والاعلام وأوجدت مساحات هناك لبعض لوبياتها وشبكاتها، وباعتبار أن تلك المنظومات لا تموت ولا تتقطع أوصالها بل هي في تغير مستمر او هي تُورث عمليا لفاسدين جُدد، كما أنها تحاول بشكل سياقي التلاؤم مع التطورات وفهم الرسائل وردات فعل الشارع ورسائله التي يبعثها في كبرى المحطات والمناسبات أو في كل استحقاق انتخابي عندما تعاد العُهدة إليه…

ب- عمليا تعمد منظومات الفساد والمافيا ذات الاذرع الممتدة في المجالات الثقافية والاعلامية إلى تغيير أنماط فعلها في كل مرحلة في تفاعل وتلاؤم مع متغيرات وآليات مشغليها الإقليميين ومن وراءهم المشغلين الدوليين، وطبعا لا يُمكن للمتابع العادي تبين ذلك الفعل وتلك التغييرات والمتغيرات لأنها تخضع للإخفاء والتكتم وعدم ترك البصمات بينما هي في تناغم مع شبكات “مردوخاي” وشبكات أخرى ناعمة تظهر بواجهات متعددة…

ت- يبقى السؤال الأهم والذي نحاول الإجابة عليه في ثنايا هذه الدراسة التحليلية، هو ماذا ينوي اباطرة الدولة العميقة فعله في ترابط منهجي وعلاقاتي مع مشغليهم الإقليميين والدوليين في مختلف المناحي السياسية والاجتماعية والثقافية، وخاصة وأن هذه الأخيرة هي المربع الحقيقي لصنع مستقبل الشعوب وآليات تفكيرها وفعلها الحضاري، وعمليا استعرضنا في الحلقة الأولى من هذه الدراسة التحليلية، اسقاطات الواقع الدولي والإقليمي وآثاره الأنية والمستقبلية على المشهد السياسي التونسي وبعض الملامح الأولى لما أسميناه بالخطة “د”[1]، والتي لا شك أنها تخضع للتحيين بناء على المعطيات الجديدة والتطورات في الداخل والخارج التونسي، بينما استعرضنا في الحلقة الثانية، قراءة تشخيصية لما يجري من تطورات داخلية واسقاطات الوضعين الاقتصادي والاجتماعي على المشهد السياسي، بينما نستعرض في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة، اسقاطات أوضاع المثقفين والثقافة بكل تمظهراتها على المشهد السياسي والاجتماعي عبر استقراء ما اسميناه بالخطة “د” والتي لم تكن سوى إعادة تركيب لخطوات الخطط “أ” و “ب” و”ج” والتي تطور فعل المنظمة القديمة خلالها محاولة وأد الثورة وإرادة تحرر التونسيين لبناء مسار ديمقراطي حير المراقبين وادار رقاب كل العالم منذ 17 ديسمبر 2010 الى اليوم…

الحلقة الثالثة

إسقاطات أوضاع الثقافة والإعلام على المشهد السياسي والاجتماعي

أ- بينت تفاصيل ما جرى في رحاب مجلس النواب خلال نهاية الأسبوع الماضي، عبر ترذيل ممنهج للفعل السياسي والعمل النيابي كما توضح لكل المتابعين أن تلك الاحداث ماهي الا جزء من مخطط إقليمي يُريد وأد مسارات الانتقال الديمقراطي، بل ان ما سمي باعتصام كتلة الحزب “السدتوري الحر” ما هو إلا حلقة ختامية خاصة لو نجح المتحكم الفعلي في الغرف الإقليمية  في إعاقة مسار الانتخابات الرئاسية في الجزائر ومن ثم توتير الأجواء هنا وهناك والاجهاز على الدولة الجارة والقوية وبالتوازي كان سيتم تمكين جنرال “الرجمة” أي “خليفة حفتر” من دخول طرابلس قبل يوم 10 ديسمبر (موعد الجولة الثانية لمؤتمر “برلين”)…

ب- لا خلاف في أن ترتبات الإسقاطات الاقتصادية والاجتماعية على الوضع السياسي أكثر من أن تُحصى أو تُعد، ولكن الثابت أيضا أن الأطراف الإقليمية والدولية التي لا تُريد خيرا لتونس وكل العرب، قد وظفت كل ما هو إيديولوجي وفكري وثقافي لصنع واختراق نخبة هجينة بطبيعتها وهي نخبة يُمكن استيعابها وتوظيفها في سياسات الإلحاق الحضاري والاقتصادي، فقد سبق لقُوى إقليمية وعبر وكلاء محليين من ذوي الأفق الاستراتيجي الضيق في نسج التجاذبات الإيديولوجية مما أعاق وكبل كل تطور سياسي وطني خلال السنوات الماضية، وبالتالي لم نتمكن كتونسيين من بلورة مشترك سياسي داخلي لبناء برامج وذلك بسبب تحول الايدولوجيا إلى خبز يومي، وعوض البناء والحوار تحولت كل القضايا الوطنية والاجتماعية إلى مجال توظيف سياسي وفكري، مما أوجد عقلية نُفور من كل ما هو سياسي وتم الدفع نحو عودة تجريم السياسة وحصرها كاهتمام يومي في جزء من النخبة ذات المنحى المُستلب فكريا والبورجوازي التابع اجتماعيا…

ت- تم إعادة نقل تاريخي لصراع التيارات الفكرية إلى قنواتنا بل إلى رحاب مؤسساتنا السيادية وتم توظيف كل ذلك لإعاقة أي تطوير وبناء أي مراكمة اجتماعية في التفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية والتكنولوجية، ذلك أن بعض الأطراف حاولت نقل تلك المعارك إلى كل المناحي الحياتية وإسقاطها حتى على تقاليد المجتمع التونسي وأعرافه القيمية، وأصبح ازدراء مظاهر الأصالة والتدين الاجتماعي والتمسك بالقيم مدار تندر لبعض نخب لم تستوعب بعد أن التنمية المستدامة لم تنجح أبدا في بلدان لا تحترم لغتها الوطنية وتتمسك بأعرافها وأديانها وقيمها….

ث- لم يستطع مُعارضو الاستبداد من نخب فكرية وسياسية القدرة على بناء تنظيماتهم وأحزابهم خارج إسقاطات البُنى الفكرية والتنظيمية والسياسية للاستبداد، وتبين أن قيادات الأحزاب والمنظمات هم “بورقيبيي” التفكير في إدارة أحزابهم (أو منظماتهم) وهياكلها بالمعنى السلبي لــ”البورقيبية”، ذلك أن مؤسسات وهياكل تلك الأحزاب والمنظمات رُبطت آليا بمحيط الزعيم والرجل الأول في الحزب أو المنظمة مما غيب العقلية المؤسساتية تنظيميا، وبعضهم وظف المال والعلاقات والايدولوجيا الخطية للسيطرة على الحزب (أو المنظمة) والتنظيم والهياكل، وكل ذلك أوقع الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية وفعلها في شراك رؤى وتوجهات الأفراد وغُيبت عمليا كل الكفاءات مما مهد لانسحاب الخيرين أو بالأحرى كل الذين لم يركبوا موجة الزعيم أو لم يصطفوا مع محيطه الاستشاري المباشر أو مع أبنائه وعائلته بحيث لم يبق فقط إلا الذين يقبلون بمواقف وسياسات تتناقض مع رؤيتهم ويقبلون بممارسات تتعارض مع قيمهم وقناعاتهم، ومما لا شك فيه أن ذلك غيب الإبداع والابتكار والاجتهاد إضافة إلى تغييبه للكفاءات والشباب الحالم بالاختلافات البناءة وبالمشاركة والسعي للتغيير…

ج- رغم سقوط منظومة تدجين الإعلام وإبعاد بعض أتباع “عبدالوهاب عبدالله”، فقد بقي الإعلام التونسي أسيرا لنفس السياسات من حيث التسميات والترقيات ومناهج التصور والتنزيل للسياسات الإعلامية بل أنه بقي أسيرا لنفس المنهج، فأعاق الثورة وكبلها كفعل باحث على التطوير بل تحول إلى دابتها السوداء وعجز على خدمة المجتمع لا سياسيا فقط بل حتى في أدواره التقليدية واليومية على غرار إبراز النواقص في كل المجالات، وغاب عمليا تسليط الأضواء وكشف الملابسات في القضايا والمستجدات وكشف خبايا التاريخ المظلم لعدد من الملفات والقضايا والحقبات التاريخية وحضرت سياسة إرهاب الصورة وإقصاء ممنهج لقضايا بعينها وأشخاص محددين وعدنا للخلف في الحصول على المعلومة ونقل الأحداث من قنوات عربية وأجنبية مثلما هو الحال خلال الحقبتين البورقيبية والنوفمبرية، كما لم تتحرر الثقافة من سياسات الإلحاق والاستحمار ورغم محاولات مبدعون شباب وكتاب ومثقفين إلا أن أوضاع الثقافة عادت إلى مربعاتها القديمة نتاج التحكم في الدعم ونتاج غياب العقلية الوطنية الخالصة في الترويج للمنتوج الوطني في السينما والمسرح وأيضا في باقي مجالات الإبداع وعادت سيطرة البارونات وكبار رجال المجال الثقافي مركزيا وجهويا ومحليا، وباستثناء الوزير المهدي مبروك وبشكل نسبي فقط، فإن كل الوزراء في سقطوا في التلاءم والرضوخ لبارونات الثقافة الكبار وفي سياسة الولاء للآخر تخطيطا وتفكيرا وتمويلا وفي تكريس رؤية أحادية لدعم الإبداع والابتكار وشمل ذلك مجالات الكتاب والرواية والقصة القصيرة والفنون التشكيلية وفي مشاركات مثقفينا ومبدعينا في المحافل الإقليمية والدولية…

ح- يتبين لنا من خلال ما سبق أن ما يحدث في تونس، هو صراع يومي مرير بين التحرر والانعتاق من جهة وبين محاولات متكررة ويومية لكسر جسور بنتها ثورة 14 جانفي، وأن هذا الصراع وتفاصيله ما هو إلا نتاج موضوعي لحقب وعقود من التكلس والفردية والاستبداد ومن تكريس منهجي لسياسات الإلحاق والحنين للاستعمار والذي غادر تُرابيا وعسكريا بينما هو لا يزال جاثم فكريا وسياسيا واقتصاديا، بل هو وظف ويوظف التطور التكنولوجي مثلما وظف العولمة في البقاء النسبي باحثا عن عودة أكثر نعومة ولكنها أشد خُطورة، وإضافة إلى ذلك لم تسع نُخب ما بعد الثورة ومن ورائها شبابنا ونسائنا إلى ردم الاستبداد وسياساته ومناهجه وآلياته بطرق مبتكرة ونافذة وناجعة بل هي تأثرت بروحها عبر إعادتها أو في حد أدنى السماح لها بالعودة من النوافذ وتلبست بها نتاج منطق الزبونية السياسية والتغييب الفعلي للقضايا الحقيقية والسقوط المدوي في التجاذبات بكل أنواعها وخاصة الإيديولوجية إضافة إلى الاصطفاف الفعلي للبعض ضمن صراع المحاور الإقليمية…

خ- زادت سياسات المحاصرة الاقتصادية والاجتماعية لتونس وإرباك العلن ملة الوطنية وماليتنا العمومية التي اعتمدتها أطراف إقليمية عبر لوبيات موالية لها وعبر وكلاء مباشرين في مجالات الثقافة والإعلام من زاوية الإملاء والتمويل وإعادة تركيب حلفاءها السابقين والدفع بهم إلى مربعات الفعل عبر ابرازهم وكل ذلك من أجل قتل رياح وروح التحرر التي فتح أبوابها “محمد البوعزيزي”، والثابت أن الأموال التي دفعت ومازالت تُدفع والمخططات التي بُنيت والأخرى التي بصدد البناء، لم تستطع بعد ولم تفلح إلى حد الآن في قتل روح الأمل، بل هي لن تفلح أبدا في إطفاء روح ثورة تونس، وهي لم ولن تستطع إسقاط الانتقال الديمقراطي رغم سيره على زجاج حاد صنعه ويصنعه الحالمون إلى عودة مربعات الحصار والاستبداد ومن وراءهم مموليهم ومشغليهم الإقليميين والدوليين…

_______________________

الهوامش : 

[1]  أسبوعية “الراي العام” التونسية العدد 134 بتاريخ 28-12-2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق