اقتصادتحاليلتونس

تونس.. هل يملك الإسلاميون مشروعا اقتصاديا؟

لئن مثّل شعار “خبز وماء وبن علي لا” الوسم الأكبر للحراك الثوري التونسي، مفجّر ثورات الربيع الديمقراطي وسلسلة الانتفاضات العربيّة المترامية التي توشك أن تأتي على معظم البنى السياسية والاجتماعيّة القائمة، منذ انطلاقته من محافظة سيدي بوزيد التونسية، في السابع عشر من كانون أول (ديسمبر) 2010، تأكيدا على أنّ الحشود المنتفضة تنشد الحريّة ليس إلاّ، بعدما عانته من نير دولة الاستقلال وبطشها بأبسط مقوّمات الحياة الديمقراطيّة، فإنّ مرور نحو عقد كامل على تلك اللّحظة القادحة دون أن تنجح قوى التغيير الجديدة، في فرض منوالها التنموي البديل، دفع بقطاعات اجتماعيّة واسعة إلى المطالبة باستكمال الانتفاضة الاجتماعيّة على القوى المستأثرة بمنسوب الثروة في بلد ينخره الفساد.

المطالبة بإصلاحات اجتماعيّة عميقة، تنشد القطع مع سياسة التبعية الاقتصادية والارتهان لسياسات صندوق النقد الدّولي وما رافقها من “إصلاح هيكلي” سنة 1986، وصف بالعسير والممهّد لحركة التخصيص غير المدروسة لمؤسسات الدولة، وما تبعها من توقيع شراكة غير متكافئة مع الاتحاد الأوروبي في السابع عشر من تموز (يوليو) 1995، فكّكت الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية المتبادلة، وصولا لما سمّي بـ “الشراكة المميزة” مع الاتحاد الأوروبي الموقّعة في 19 تشرين ثاني (نوفمبر) 2012، تتجدّد اليوم في ظلّ سعي الطرف الأوروبي المتواصل، إلى تنصيب “اتفاق تبادل حر شامل ومعمّق” لا يراعي هشاشة القطاع الفلاحي في تونس.

التفويض الانتخابي المتجدّد، في انتخابات 6 تشرين أول (أكتوبر) الماضي، لحركة “النهضة” التونسيّة، سليلة المدرسة الإخوانيّة القائلة بشمولية الفكرة الإسلاميّة مجتمعا وسياسة واقتصادا، لتشكيل الحكومة المرتقبة، وإجماع النخب السياسية على ضرورة صياغة منوال تنمية جديد، يستجيب لتطلّعات تونس الجديدة وينقلها من بنيان اجتماعي إلى بنيان اجتماعي آخر استنادا إلى توصيف كرين برينتون، المؤرخ الأمريكي وصاحب كتاب “تشريح الثورة”، لمفهوم الثورة كعمليّة حركيّة ديناميّة، ويفعّل مبادئ دستور 27 كانون ثاني (يناير) 2014، الذي ينصّ على مفهوم التمييز الإيجابي لصالح الجهات المحرومة والمهمّشة، من شأنه أن يضع فكرة “الإقتصاد الإسلامي” على محكّ التجربة العمليّة، فضلا عن مناقشة مدى صلابتها الفكريّة أمام الطروحات الاقتصادية المقابلة.

دفعا من موقع “عربي21” نحو تدافع الأفكار وغلبة الحجّة العلميّة، يناقش التقرير التالي، الذي أعده الإعلامي والصحفي التونسي الحسين بن عمر، مدى وجاهة اعتبار منظومة القيم المستخلصة من النصوص الإسلامية، قرآنا وسنّة، وتطبيقات مفاهيمها، نظاما اقتصاديا مكتمل الخصائص، ويبحث مع ثلّة من خبراء الاقتصاد والماليّة مدى امتلاك مفهوم “الاقتصاد الاسلامي” المقترح لتصّور متفرّد على مستوى إدارة العملية الاقتصاديّة وتنظيمها، علاوة على ضبط أدوار الدّولة في عمليّة إنتاج الثروة، كما يجتهد التقرير في تبيان الخلط المفهومي الحاصل بين قدرة الماليّة الإسلاميّة ومنتوجاتها، المبنيّة على مبدأ صميم في المعاملة المالية قوامه “الشراكة في الربح والخسارة”، وبين الجزم بإطلاقيّة مفهوم “الاقتصاد الإسلامي” وفاعليّته.

الماليّة الإسلاميّة وتد الاقتصاد الإسلامي

الجزم بوجاهة الإقرار بوجود منظومة اقتصاديّة مكتملة الخصائص، تحت مسمّى “الاقتصاد الإسلامي”، يمرّ  ضرورة عبر رفع الالتباس المفهومي المتداول بين مصطلحي “الماليّة الإسلامية ” و”الاقتصاد الإسلامي”، والتحقق إن كانت الرابطة العضوية بين المفهومين كافية للجزم بانتفاء الشروط المكوّنة للاقتصاد الإسلامي.

في هذا الإطار، يرى رضا الشكندالي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، في تصريح لـ “عربي21”، أنّ إعجاب البنوك الغربيّة بالماليّة الإسلامية وبفعّاليتها في استقطاب الاستثمارات، لا يمكن اعتباره دليلا على وجود فعلي لما يسمّى بـ”الاقتصاد الاسلامي”، مشيرا في الآن نفسه إلى أن المالية الإسلامية هي مجرّد فرع من فروع “الاقتصاد الاسلامي”، في حين أنّ هذا الأخير يشمل كل جوانب الحياة الاقتصاديّة وأشمل من البنوك.

يشارك عز الدين سعيدان، خبير اقتصادي، في تصريح لـ “عربي21”، نفس الرؤية التي يقدّمها الشكندالي، معتبرا أنّ منظومة القيم المستقاة من النصوص الإسلامية وحزمة تطبيقاتها، لا ترتقي إلى مستوى تسميتها بـ”الاقتصاد الإسلامي” وذلك رغم إقراره بالدّور النشط الذي تضطلع به الماليّة الإسلامية في تنشيط الدورة الاقتصادية.

في المقابل، يؤكّد الدكتور ياسين بن اسماعيل، خبير مالي ونقدي، في تصريح خاص لـ “عربي21” على أنّ خصوصيّة الاقتصاد الإسلامي المتمثّلة في الربط الوثيق والشرطي بين منظومة خلق الثروة ودورة الإنتاج أي الربط بين الاقتصاد الحقيقي، المتمثل في السلع والخدمات، ومجال الاقتصاد المالي والنقدي، والتي تعتبر المنتوجات المالية من أهم مخرجاته، يجعل من نجاح الماليّة الإسلامية وفاعليّتها مؤشّرا فعليّا على إمكانيّة قيام اقتصاد إسلامي.

وأضاف: “إنّ المنتجات المالية تهدف إلى التغطية المباشرة لمخاطر السوق والمخاطر التشغيلية ومخاطر الائتمان بمعنى القرض وبالتالي تتطلب منتوجات مالية مشتقة، منتهيا إلى القول بأنّ الفصل بين المفهومين مجانب للحقيقة العلميّة لكون الاقتصاد النقدي يمثل كساء الاقتصاد الحقيقي وتمثلاته الماليّة”.

في نفس السياق، ورغم موافقته على رأي الشكندالي وسعيدان القائل بجزئيّة الماليّة الاسلامية، يؤكّد الدكتور محمّد النّوري، خبير في الاقتصاد والمالية الاسلاميّة، في تصريح لـ “عربي21” على أنّ التمويل الإسلامي جزء رئيس من الاقتصاد الإسلامي وقطاع من قطاعاته وهو منظومة في خدمة الاقتصاد وليس العكس، كما هو في النظام الرأسمالي، مضيفا أنّ التمويل الاسلامي هو منظومة الأدوات المالية لتمويل الاقتصاد، بدءًا بالتمويل الأصغر ثم التمويل البنكي (المرابحة، الإجارة، السلم، الاستصناع، المضاربة، والمشاركة)، فالتمويل الأكبر (الصكوك بمختلف أنواعها وتطبيقاتها)، في حين يتمثّل الاقتصاد الإسلامي في المنهج العام لإدارة الحياة الاقتصادية من منظور إسلامي ويشمل الجانب المذهبي أو المرجعية الفكرية والمؤسساتية، أي النظام والعلم أي أدوات التحليل، ليخلص بالقول إلى أنّ المالية الإسلاميّة، التي تصل أصول معاملاتها مبلغ 3 تريليون دولار من جملة ما يربو عن 5 تريليون دولار، تمثل حجم أصول الاقتصاد الإسلامي، تظلّ العصب الرئيس لهذا الأخير.

من جهته، يرى عز الدّين مصباح، أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسيّة، أنّه من الإجحاف بمكان حصر المشروع الاقتصادي الإسلامي في الجانب المالي وترك المعاملات الاقتصادية جانبا، بما تحتويه من مؤسسات إنتاجية وتجارية وتشريعات لسلوك المنتجين والمستهلكين للمجتمع، وهي القادرة على أن تكون ركائز مشروع اقتصادي عصري له مردودية عالية تساعد على الخروج من براثن التخلف والتبعية للاقتصاديات العالمية كانت ليبرالية أو اشتراكية.

الماليّة الإسلامية ومركزيّة مبدأ المشاركة

يؤكد محمّد النوري على ارتكاز الاقتصاد الإسلامي على المخاطرة وتقاسم المخاطر، عكس الاقتصاد الرأسمالي القائم على تحويل المخاطر بالاعتماد على آلية سعر الفائدة، مضيفا أن التمويل الإسلامي يرتكز بدوره على معدل الربح أو آلية العائد التي تحكمها القاعدة الذهبية: “الغنم بالغرم والخراج بالضمان”، بمعنى المشاركة في الربح والخسارة، وأن لا يستحق المشروع الربح الا بقدر تحمّله للمخاطر.

في ذات السياق، يشير النوري إلى أنّ فعّاليّة قاعدة “الغنم بالغرم والخراج بالضمان”، دفعت بكبار الاقتصاديين الغرب، مثل كروغمان وستيغليتز وكوتلير وسان، إلى المناداة بالاستفادة منها حلاّ لمأزق سعر الفائدة وتجاوزا لمخاطر السوق والمخاطر الائتمانية والمخاطر التشغيلية، التي تحتاج إدارتها إلى آليات فعالة وعادلة لمجابهتها والتقليص من حدتها، ويعتبر النوري أنّه “ليس هناك من آلية أعدل وأكفأ من آلية المشاركة في الربح والخسارة، التي تسهم في تحقيق العدالة في مكافاة عناصر الإنتاج وتقاسم المخاطر بينها، وهو ما جعل العالم اليوم يتجه شيئا فشيئا في هذا الاتجاه فظهر مفهوم اقتصاد المشاركة والتجارة العادلة والاقتصاد الأخلاقي والاستثمار المسؤول اجتماعيًا”.

في المقابل، يستغرب رضا الشكندالي عدم التزام معظم البنوك الإسلامية، على الأقل في تونس، بمبدأ “المشاركة” المعلن في العمليّة الماليّة الإسلاميّة، والتي تصيّر المتعامل البنكي شريكا في الربح والخسارة، مبينا على وجه من وجوه التحايل الخفي، المتمثل في اعتماد البنوك الإسلامية المذكورة على نسبة الفائدة، مفهوم مغاير لمبدأ المعاملات الإسلامية التي تحرّم المتاجرة بالمال، في تقدير نسبة أرباحها عن كل عمليّة بيع وشراء، مما يعني في النهاية أن البنوك الإسلاميّة تعتمد على نسبة الفائدة في تقدير أرباحها وتسيير معاملاتها، وإن كانت المالية الاسلامية تحرّمها.

في ذات السياق، يستغرب الشكندالي عدم تجاوز عمليات المشاركة في البنوك الإسلاميّة حاجز 5 بالمائة وأنّ أغلب أصول البنوك الإسلامية الناشطة في تونس (الأموال التي تقرضها البنوك للحرفاء) هي أصول مرابحة وليست مشاركة، وهذا ما يشي، وفق رأيه، بالمفارقة بين المعلن والخفي في المعاملات المالية الإسلامية المعتمدة من قبل البنوك الإسلامية في تونس والذي ينافي المبدأ الأساسي للاقتصاد الإسلامي.

يلحّ سعيدان على عدم تجريم المعاملة مع البنوك التقليديّة وعدم شيطنتها، معتبرا أنّ المصطلح القرآني أو النبوي المجرّم لفعل الرّبا يحتاج إلى تدقيق مضموني من قبل الفقهاء ومن خلفهم المختصين القائلين بالتحريم الفقهي للمعاملة مع البنوك التقليديّة التي تضبط نسبة فائدة على كل معاملة بنكيّة، مدلّلا على رأيه بأنّ تنوّع عروض السوق ضامن لوحده لعدم الغلو في نسبة الفائدة المقترحة، مضيفا بالقول أنّ القاعدة الفقهيّة الواجب الأخذ بها في هذا الجانب بالذات هي “لا ضرر ولا ضرار”، معتبرا أنّ تغييب عنصر التضخّم من شأنه أن يلحق ضررا بأطراف العمليّة الماليّة إذا لم يتم إضافة نسبة فائدة معقولة ودقيقة.

في ذات السياق، ينبّه سعيدان إلى ضرورة التمييز بين معاملات فقاقيع المؤسسات الرّبويّة غير القانونيّة، التي تستغل حاجة النّاس وفاقتَهم لتفرض على معاملاتها النقدية نسب فائدة مرتفعة قد تصل مستوى 25 بالمائة، وبين المعاملة مع البنوك التقليدية المنظّمة.

وتعقيبا على ما ذكره رضا الشكندالي من اعتماد البنوك الإسلامية على نسبة الفائدة في تحديد أرباحها، يرى النوري بعدم دقّة هذه الفكرة ويقول بأنّ ما تقوم به البنوك هو الاستئناس ليس إلاّ، وأنّ هذا الاستئناس منصوص عليه من قبل المعيار الشرعي للمرابحة الذي أصدرته هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، مضيفا أنّ احتساب الأرباح يتمّ بصفة مستقلة عن سعر الفائدة، وأنّ “استئناس المصرف بسعر الفائدة لا يتمّ إلاّ عند الوصول إلى تحديد هامش الربح الصافي، بعد احتساب كل التكاليف من كلفة الأصول وكلفة التشغيل في انتظار التوصل إلى سعر مرجعي benchmark إسلامي، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هناك بعض التجارب قد بدأت في اعتماد هامش الربح في كل قطاع أو منتج كسعر مرجعي بديلًا عن سعر الفائدة”.

الاقتصاد الإسلامي وصعوبات التنزيل

يرجع محمد النوري صعوبات تطبيق الاقتصاد الإسلامي إلى عاملين إثنين: العامل الأوّل موضوعي ومردّه عسر المرحلة الانتقالية وحساسية لحظتها الاجتماعيّة، وما تتسم به من غياب استقرار حكومي، الشيء الذي يحول دون قدرة حركة النهضة، الفائزة في انتخابات 6 تشرين أول (أكتوبر) 2019 وقبلها في انتخابات 23 تشرين أول (أكتوبر) 2011، على تنزيل المشروع الإسلامي وتفعيل آليّاته، مضيفا أنّ تفاقم التجاذبات بين الأطراف المكوّنة للمشهد السياسي حكما ومعارضة، فضلا عن توتّر المناخ الاجتماعي، يقلّل من فرصة الحوار الوطني، القادر على رسم الخيارات التنموية الفعّالة بعيدا عن زرداب التجاذب الأيديولوجي.

أمّا العامل الثاني فذاتي ومداره حدّة التجاذبات الدّاخلية التي عصفت بالجسم النهضوي منذ المؤتمر العاشر للحركة، وهو ما جعل شركاء الحكم ينشغلون بالتموقع الحكومي أكثر من التفكير في المضامين والبدائل.

من جهته، يرجع رضا شكندالي تأخّر قابليّة الاقتصاد الإسلامي للتنزيل واقعا، إلى استئثار ذوي التخصصات الفقهية بهذا المبحث، دون غيرهم من ذوي التخصصات العلمية والإنسانيّة، التي تتيح تقعيد الاقتصاد الإسلامي على مستوى النظرية، قبل الانشغال بتفريع المالية العمومية والمالية والبنوك، مبديا عدم رضاه على ما وقع من قفز على كلّ هذه اللّبنات الأسّة والضروريّة.

الاقتصاد الإسلامي وشروط التحقق في الواقع

لئن أجمع المتدخّلون على أهميّة منتجات الماليّة الإسلاميّة، الركن المتين في منظومة الاقتصاد الإسلامي، في الدفع بالعملية الاستثماريّة، فإن الانطباع الغالب لازال يقول بعدم تخطّي المحاولات القليلة والمحتشمة، تطبيق بعض الاجتهادات والقراءات الفقهية، حيث يرى رضا الشكندالي أنّ كلّ الذي حصل من انكباب على الماليّة الإسلاميّة ومنتجاتها، من قبل البنوك الدّولية والعالميّة، يفسّر فقط بتفطّن العديد من المستثمرين وأصحاب البنوك إلى وجود سوق خارج الدورة الماليّة، على وجه الخصوص أصحاب رؤوس الأموال المسلمين، الذين يعتقدون في حرمة التعامل مع البنوك التقليدية ويقومون باكتناز ثروات كبيرة، يمكن أن تكون مصدرا لعديد الأموال والاستثمارات المالية.

في المقابل، يقول محمد النوري بإمكانيّة حركة “النهضة” تقديم مشروع اقتصادي يستند إلى المرجعية الإسلامية والمنظومة القيمية للبلاد، مضيفا أنّ المشروع الاقتصادي المشار إليه يرتكز على مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي المرتبط بالقيم الإسلامية والخصوصيات الوطنية للمجتمع، وهو مفهوم يختلف كليًا عن اقتصاد السوق الليبرالي الذي يسوق له صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية ومنتجاته المختلفة من برنامج الاصلاح الهيكلي واتفاقية الشراكة الأوروبية والأليكا.

ويشير النوري إلى أنّ مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي يقوم على المزاوجة بين القطاعات الثلاثة المتمثّلة في قوى السوق والدولة والمجتمع، والتي تهدف إلى بناء الاقتدار الذاتي بكل أبعاده وأشكاله، من رأس مال مادي ورأس مال بشري ورأس مال علمي وتكنولوجي ورأس مال اجتماعي، مؤكدا على أنّ بناء الاقتدار يتمّ من خلال الاعتماد على الذات وعلى تثمين الإمكانات الداخلية وسلاسل القيمة الإنتاجية بدلًا من الاعتماد على القروض الأجنبية ونصائح صندوق النقد الدولي، في إطار الانفتاح الإيجابي والفاعل على الخارج وتوسيع الشراكات والأسواق، وفي تمايز بيّن عمّا يسمى باقتصاد السوق الاشتراكي الذي لا يزال يتطلع اليه ما تبقى من أنصار النظام الاشتراكي، السابق والذي يحاول المزج بين قوتي الدولة والسوق ضمن مباديء الاشتراكية الملقحة مع الرأسمالية، يضيف النوري.

ويؤكّد الدكتور عز الدين مصباح، أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسيّة، على تميز الاقتصاد الاسلامي بطابعه الاجتماعي، على عكس الاقتصاد الليبرالي الذي لا يراعي الجانب الاجتماعي كلما تطرق الى مجال الربح والمنفعة الى أصحاب راس المال، منوّها باعتبار الاقتصاد الإسلامي لعنصري المال والعمل مصادر الثروة الحقيقية، عكس الاقتصاد الليبرالي المعتمد فقط على راس المال محركا وحيدا لإنتاج الثروة، بينما يتميّز الاقتصاد الإسلامي عن نظيره الاشتراكي بمجال الحرية الفردية في الملكية والعمل التي كبتها النظام الاشتراكي، ممّا يتيحه مرونة في التفاعل مع المتغيرات نتيجة التصلب المتحجر في مبادئ الاشتراكية التي تقتل وازع العمل والتطور عند الفرد والمجتمع، يضيف مصباح.

نظريّات الاقتصاد الإسلامي وأفاق معاضدة ميزانية 2020

يرى النوري أنّ ميزانية 2020، المصادق عليها مؤخرا، تعبّر عن ترهّل منوال التنمية الذي قاد البلاد منذ الاستقلال إلى حد اليوم، والذي لم يعد قابلا للاستمرار لسببين اثنين على الأقل: الأول هو اعتماده المتفاقم على الجباية (ثلثا موارد الميزانية مصدرها الجباية المباشرة وغير المباشرة)، وهو منهج عقيم ومدمّر للاقتصاد ومغذي للقطاع الموازي المتمعّش من التهرّب الجبائي والناجم عن غياب العدالة الجبائية، أمّا السبب الثاني فمرده الاعتماد المتزايد على المديونية، خصوصا الخارجية، التي تسهم في ارتهان البلاد للمؤسسات الدولية الدائنة.

ويبين محمّد النوري أنّ اعتماد الاقتصاد الإسلامي على إبطال الفائدة والدّعوة إلى التشاركية في التمويل والاقتصاد وإلى التقليص من الجباية واعتماد معدلات خفيفة لا تشجع على أي تهرب جبائي (معدل الزكاة 2.5% وأي ضريبة إضافية تكون عادلة وعند الضرورة)، يجعله في نقيض تام مع المرتكزين الإثنين الذين انبنى عليها مشروع ميزانية 2020 المصادق عليه من قبل البرلمان.

كما يشير النوري إلى أنّ مشروع الاقتصاد الإسلامي يدعو إلى تخفيف معدل الضريبة حتى يكون الوعاء الضريبي متسعًا لكل الشرائح الاجتماعية والفاعلين الاقتصاديين، ممّا يساهم وفق رأيه في ارتفاع الإيرادات الضريبية، مبيّنا وجاهة وعلميّة هذه النظرية القديمة التي استنبطها العلامة ابن خلدون في كتابه المقدمة “الكثير في القليل قليل والقليل في الكثير كثير”، والتي طبقتها الإدارة الأمريكية في ولاية الرئيس ريغن في الثمانينيات طبقا لنصائح الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان، منتهيا بالتذكير بأن مشروع الاقتصاد الإسلامي يدعو أيضا إلى التخلص التدريجي من القروض الأجنبية القائمة على سعر الفائدة (الربا) والاعتماد بدلًا منها على الذات من خلال تعبئة الموارد المحلية وتحريك الادخار وترشيد الاستهلاك وتثمين الثروات المهدورة.

أمام تفاقم مديونية الدّولة التونسيّة وقلّة مواردها الطبيعيّة وعسر مرحلة الانتقال الديمقراطي التي فرضت استحقاقات اجتماعيّة متزايدة، يكون من اللزوم التفكير في منافذ تمويل متنوّعة عبر تنشيط منتجات الماليّة الإسلاميّة، على أمل أن تقل حدّة التجاذبات السياسية والهووية، ممّا يسمح بمناقشة هادئة للمشاريع التنمويّة التي يتيحها مشروع الاقتصاد الإسلامي.

المصدر : عربي21 بتاريخ 28 ديسمبر 2019

تابع الخبر من مصدره الأصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق